# أقسام دلالة اللفظ باعتبار محلّ الدلالة ## <mark style="background: #D2B3FFA6;">1. دلالة المنطوق</mark> هي دلالة اللفظ على المعنى في محل النُّطق، أي أنّ فهم المعنى لا يتوقف إلا على النُّطق فقط، فإذا وقع النُطق فُهِم المعنى. ودلالة المنطوق إمّا أن تكون <mark style="background: #FF5582A6;">لفظيّة</mark> أو <mark style="background: #FFB86CA6;">عقليّة</mark>. ولدلالة المنطوق ثلاث حالات: 1. **الدلالة بالمطابقة**: هي دلالة اللفظ على كُلّ المعنى، وهي دلالة <mark style="background: #FF5582A6;">لفظيّة</mark>. 2. **الدلالة بالتضمّن**: هي دلالة اللفظ على جُزء المعنى، وهي دلالة <mark style="background: #FFB86CA6;">عقليّة</mark> (وبعض العلماء ك[[زكريا الأنصاري]] يرون أنّها لفظيّة). 3. **<mark style="background: #FFF3A3A6;">الدلالة بالالتزام</mark>**: هي دلالة اللفظ على أمر خارجيّ لازم، وهي دلالة <mark style="background: #FFB86CA6;">عقليّة</mark>، وتسمّى المنطوق غير الصّريح. > [!note] مثال: السفينة تتركب من أمرين: خشب ومسامير. > - دلالة لفظ السفينة على الخشب والمسامير معًا هي دلالة بالمطابقة. > - دلالة لفظ السفينة على المسامير فقط أو الخشب فقط هي دلالة التضمّن. > - دلالة لفظ السفينة على أنّ شخصًا قد صنعها هي دلالة الالتزام (إذ يلزم لوجود السفينة وجود من صنعها). ### <mark style="background: #FFF3A3A6;">أقسام دلالة الالتزام (المنطوق غير الصريح)</mark> 1. **دلالة الإشارة**: فيها يكون اللفظ قد سيق لدلالة مسألة معيّنة وأشار إلى مسألة أخرى عن طريق الالتزام. > [!note] مثال: > في قوله تعالى ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْۖ فَالْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْۚ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِۖ ...[[البقرة-187|۝]]</span>﴾ سيقت الآية لبيان جواز الجِماع والأكل والشُّرب في ليالي الصيام. فلو وقع الجِماع قبل الفجر بقليل فهذا يوجِب أن الفجر سيحين وهو جُنُب لجواز الجِماع لآخر جُزء من أجزاء الليل؛ فدلّت الآية على أنّ من أصبح جُنُبًا واغتسل بعد الفجر فإنّ صومه يصح. ولأن الآية دلّت بلازمها على هذا الحُكم ولم تُسَق الآية لبيان هذا الحُكم وإنّما جاء بالتَّبَع فتُسمّى دلالته دلالة إشارة. 1. **دلالة الاقتضاء**: فيها تكون دلالة اللفظ على مُقَدَّر تتوقف عليه صحّة الكلام (عقلًا أو شرعًا). أي أنّ النّص يتطلّب تقدير لفظةٍ ليستقيم معناه. > [!note] أمثلة: > - في قوله تعالى ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[[البقرة-183|۝]] أَيَّامٗا مَّعْدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَۚ ...[[البقرة-184|۝]]</span>﴾ إشارة إلى أنّ على المريض والمسافر قضاء الصيّام، ولكن الآية فيها تقدير ليستقيم المعنى: فالمريض والمسافر **إن أفطر** فعليه القضاء، ولكن لو صام فلا قضاء عليه. > - في قوله ﷺ‎ (إنّما الأعمال بالنيّات) تقدير لمعنى: إنّما الأعمال **تصحّ** بالنيّات، فالأعمال يُمكن القيام بها دون نيّة لكنّها لا تكون صحيحة مقبولة. 1. **دلالة الإيماء**: أن يكون اللفظ سيق لبيان حُكم ما ولا يحتاج إلى تقدير، بل إنّ الحُكم اقترن بوصفٍ لو لم يكن ذلك الوصف علة للحكم لكان ذلك بعيدًا عن فصاحة الكلام. > [!note] مثال: > قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوٓاْ أَيْدِيَهُمَا ...[[المائدة-38|۝]]</span>﴾ > - الحُكم: قطع اليد. > - الوصف: السَّرِقة. > - اقترن الحُكم بوصف السَّرِقة، فالسَّرِقة هي علّة قطع اليد، لأنّه لا يُمكن أن يكون لقطع اليد علّة أخرى غير المذكورة (كقول أنّ علة قطع يد السّارق أنّه يكره المسروق)، فلا يُناسب ذِكر السَّرِقة إلّا لأن تكون هي علّة الحُكم. وكذا في قوله تعالى ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٖۖ ...[[النور-2|۝]]</span>﴾. ## <mark style="background: #D2B3FFA6;">2. دلالة المفهوم</mark> هي دلالة اللفظ على المعنى في غير محل النُّطق، أي أنّ فهم المعنى لا يتوقف على النُّطق، وإنّما على معنىً آخر. وللمفهوم نوعان: ### <mark style="background: #BBFABBA6;">أ. مفهوم المطابقة</mark> يكون فيه حكم المسكوت عنه مساويًا أو أولى من حكم المنطوق. > [!note] أمثلة: > - **المسكوت عنه المساوي للمنطوق**: في قوله تعالى ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ الْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارٗاۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرٗا[[النساء-10|۝]]</span>﴾ يفيد المنطوق أنّ أكل أموال اليتامى حرام، ولكن مفهوم الآية يشمل أيضًا أمورًا أخرى كإتلاف ثوب اليتيم فهو حرام أيضًا بنفس الدرجة؛ فنقول هذه دلالة موافقة مساوية. > - **المسكوت عنه أولى من المنطوق**: في قوله تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">... فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ...[[الإسراء-23|۝]]</span>﴾ فإنّ منطوق الآية يفيد تحريم التّأفيف، أمّا مفهومها فهو أنّ ما كان أشدّ من التّأفيف (كالشتم أو الضرب) فهو حرام أيضًا؛ فنقول: هذه دلالة موافقة أولوية. <div style="page-break-after: always;"></div> ### <mark style="background: #BBFABBA6;">ب. مفهوم المخالفة</mark> يكون فيه حكم المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق. > [!note] مثال: > قال النبي ﷺ‎ (إذا بلغَ الماءُ قلتينِ لمْ يحملِ الخَبَثَ): > - منطوق الحديث: إذا كان الماء كثيرًا فإنّه لا يخبث، ولا يرد فيه ذكر الماء القليل. > - مفهوم المخالفة في هذا الحديث: إذا كان الماء دون قلتين فإنه يحمل الخبث. ويسمّى مفهوم مخالفة لأنّه خالف المنطوق بالحُكم. #### <mark style="background: #ABF7F7A6;">أنواع مفهوم المخالفة</mark> 1. **الحصر**: أدواته: إنّما، تعريف المُبتدأ والخبر، ضمير الفَصل، الاستثناء بعد النَّفي. > [!note] أمثلة: > - **إنّما**: قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ...[[طه-98|۝]]</span>﴾، ومفهوم المخالفة: أنّه لا إله لكم غيره. > - **إنّما**: قال ﷺ‎: (إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)، ومفهوم المخالفة: أنّه لا يصحّ عمل بغير نيّة. > - **تعريف المُبتدأ والخَبر**: قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">اللَّهُ الصَّمَدُ[[الإخلاص-2|۝]]</span>﴾، أي الصمديَّة محصورة له سبحانه وتعالى، ومفهوم المخالفة: أنّه لا يُصمد لغيره ﷻ‎. > - **ضمير الفَصل**: قال تعالى ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">...فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ...[[الشورى-9|۝]]</span>﴾. > - **الاستثناء بعد النَّفي**: مثل قول: لا غالِب إلّا الله. 1. **الشَّرط**. > [!note] مثال: > قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">...وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمْلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّۚ...[[الطلاق-6|۝]]</span>﴾، مفهوم المخالفة: أنّه لا تجب النّفقة إن لم يكُنَّ حوامِل. 1. **الصِّفة**: ويُراد بها ما يشمل الحالَ وظرفَ الزّمان وظرف المَكان. > [!note] أمثلة: > - **الصِّفة**: قال ﷺ‎ (في الغَنَم السَّائمة زكاة)، ومفهوم المخالفة: أنّ الزّكاة لا تجب في غير السّائمة. > - **ظرف الزّمان**: كقول: سافِر يوم الخَميس، ومفهوم المخالفة: لا تُسافِر في غير يوم الخَميس. > - **ظرف المكان**: كقول: إجلس أمام زيد، ومفهوم المخالفة: لا تَجلِس في مكان آخر. 1. **العدد**. > [!note] مثال: > - قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">...فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةٗ...[[النور-4|۝]]</span>﴾، ومفهوم المخالفة: لا تجلدوهم أقلّ أو أكثر مِن ثمانين جلدة. 1. **الغاية**. > [!note] مثال: > قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ...[[البقرة-230|۝]]</span>﴾، ومفهوم المخالفة: إن نكحت زوجًا غيره فإنّها تحلّ للزوج الأوّل الذي طلّقها ثلاثًا. #### <mark style="background: #ABF7F7A6;">شروط العمل بمفهوم المخالفة</mark> مِن شروط العَمَل بمفهوم المُخالفة: 1. ألّا يَكون المسكوت أَولى أو مساويًا للمنطوق في الحكم: وإلّا يُقدّم مفهوم الموافقة على مفهوم المُخالفة. > [!note] مثال: > قال تعالى ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">...وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤْمِنَةٖ...[[النساء-92|۝]]</span>﴾، لو طبقنا مفهوم المُخالفة في هذه الآية فإنّه يفيد بأنّه لو قَتَل مؤمنًا مُتعمّدًا فلا تجب الكفّارة عليه، ولكنّ مفهوم المطابقة يفيد بأنّ وجوب الكفّارة بقتل الخطأ يفيد وجوبها في قتل العمد من باب أَولى لأنّه أعظم إثمًا وجُرمًا. 1. ألّا يَكون قد خَرَج مخرج الغالِب. > [!note] مثال: > قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">...وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ الَّـٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ الَّـٰتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ...[[النساء-23|۝]]</span>﴾، لو طبّقنا مفهوم المخالفة هنا فإنّه يفيد بأنّ بنات الزّوجة (الرّبائب) يحلّون للرجل بعد الدخول بزوجته إن لم يكونوا يسكنون في بيوتهم، فنقول: إنّ مفهوم المخالفة هُنا خرج مخرج الغالِب؛ فلا يؤخذ به. 1. ألّا يَكون قد خَرَج مخرج التَّفخيم. > [!note] مثال: > قال ﷺ‎ (لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ مَسِيرَةَ يَومٍ ولَيْلَةٍ ليسَ معها حُرْمَةٌ)، لو طبّقنا مفهوم المخالفة هُنا فإن سافرت امرأة لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر فيحلّ لها السّفر دون محرم، فنقول: خرج قوله ﷺ‎ في وصف المرأة بالإيمان بالله واليوم الآخر خَرَج مخرج التّعظيم للأمر بمعنى أنّها لو كانت مؤمنة فلا يليق بها أن تفعل هذا، فلا يؤخذ هُنا بمفهوم المخالفة، والكافرة لو سافرت بدون محرم فهي تأثم لأنّ الكُفّار مخاطبون بفروع الشَّريعة. 1. ألّا يَكون قد خرج جوابًا لِسؤال أو بيانًا لِحادثة مُعيَّنة. > [!note] مثال: > مرّ الرّسول ﷺ‎ بشاةٍ ميتةٍ، فقال: (دباغُها طُهورها)، مفهوم المخالفة: أنّ الدّباغ لا يطهّر غير جلد الشّاة، فنقول: إنّ هذا المفهوم غير مُرادٍ لأنّ هذا المفهوم متعلّق بحادثة معيّنة، فلا يؤخذ هُنا بمفهوم المُخالفة. 1. ألّا يَكون القيد ذُكِر لِزيادة الإمتنان. > [!note] مثال: > قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمٗا طَرِيّٗا...[[النحل-14|۝]]</span>﴾، فمفهوم المخالفة أنّ ما لم يكن لحمه طريًّا فلا يحلّ، فنقول: هذا المفهوم غير مُرادٍ لأنّ وصف الطّراوة ذُكِر للامتنان مِن الله سبحانه وتعالى، فلا يُؤخذ هُنا بمفهوم المُخالفة.