# التعريف بأشهر المحدثين ومناهجهم في القرن الأول الهجري كان التنوع والنموّ في حركة الحديث والمُحدثين بدرجة عالية، حتى لم يكد اثنان من المحدثين يتشابهان في منهج أو طريقة. فكان التجديد هو السمة البارزة من سمات هذا القرن. أما في القرن الثاني الهجري فقد غلب التصنيف الموضوعي؛ فتفرد أحاديث موضوع واحد في مصنف (كالسيرة أو الأحكام...). وكان المصنّف الواحد يحوي الأحاديث المتصلة المرفوعة للنبي ﷺ‎ وغير المتصلة، وآثار الصّحابة والتابعين. كما ظهرت أوائل الكتب الجامعة التي تحتوي على موضوعات وأبواب عديدة، دون نسق يربط بينها. وبدأ التصنيف المنهجي بكتاب [[الموطأ]]، ثم توالت [[الكتب الستة]]، و[[المسند|مسند الإمام أحمد]]، و[[معاجم الطبراني]]، و[[صحيح ابن خزيمة]] و[[صحيح ابن حبان]]. <div style="page-break-after: always;"></div> ## 1. [[موطأ الإمام مالك]] ### تعريف بالإمام مالك (93 هـ - 179 هـ) هو أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي. بدأ بطلب العلم صغيرًا، وكانت له حلقة قبل أن يبلغ الثّلاثين مِن عمره، ومِمّن أخذ عنهم: [[الزهري|ابن شهاب الزهري]]، و[[ربيعة بن أبي عبد الرحمن]]، و[[نافع مولى ابن عمر]] تميّز بإتقانه وتوقّيه في الرّواية والعناية بكتابه، فقال [[الشافعي]]: (ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس)، كما قال: (وإذا ذُكر الأثر فمالك النجم) ### منهجية الإمام مالك في الموطّأ 1. التَزم بذكر الثقات من الرجال، حتى كان مجرّد ذكر الرّجل في الموطّأ حكمًا عليه بالتوثيق. 2. التَزم بذكر الحديث الصحيح وفق مذهبه واجتهاده: في الكتاب أحاديث متّصلة حملت أعلى شروط الصّحة، وفيه أحاديث غير متّصلة (بلاغات أو مرسلات) فيقول مثلاً: (بلغني أن ابن عمر أو أن أبا هريرة...) فيُغفِل ذكر السند، أو كان يذكر السند حتى يصل للتابعي فقط. ومذهبه في تصحيح هذه الأحاديث: قربها من عصر النّبوّة ولِتميّز رُواتها. لكن العلماء لم يقبلوا بهذه الأحاديث كما هي، بل بحثوا عن طرق متّصلة لها، فوجدوا لمعظمها اتّصالاً. 3. مزج في الكتاب بين الحديث عن النبي ﷺ‎، والأثر عن الصحابة والتابعين، وأقوال علماء أهل المدينة، والسُّنة العملية التي يسير عليها أهل المدينة. 4. جَعَل الكتاب كتاب بيئة حديثية أكثر من أن يكون كتاب معرفة حديثية؛ فمَزَج بين الحديث وفقه الحديث. فكان فيه يستنبط ويفرّع المسائل ويُبين ارتباط النصوص الحديثية بالزمان والمكان (وهذه ميزة ينفرد بها هذا الكتاب عن كتب السُّنة). 5. هو أول كتاب صُنّف بمنهجية. <div style="page-break-after: always;"></div> ## 2. الجامع المُسند الصّحيح المُختصر مِن أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه ([[صحيح البخاري]]) ### تعريف بالبخاري (194 هـ - 256 هـ) هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بَرْدِزبه الجعفي مولاهم. نشأ يتيمًا وظهر نبوغه المبكر. فبدأ سماعه للحديث سنة 205 هـ، وحفظ [[تصانيف ابن المبارك]] وهو صبيّ. في سنّ 16 خرج مع أمّه وأخيه أحمد إلى مكّة، ثم تخلّف عنهم لطلب الحديث. وفي سن 18 سنة بدأ يصنّف قضايا الصحابة والتابعين وأقوالهم. ورحل إلى أكثر محدّثي الأمصار طلبًا للحديث، فكتب في: خراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر. مكث في تأليف صحيحه 16 سنة، وخرّجه من بين ستمائة ألف حديث. ### منهجية البخاري في صحيحه 1. دخل إلى أحاديث الصحيح بعد رحلته الطويلة مع كتاب [[التاريخ الكبير]] وترجمته فيه لما يقارب أربعة عشر ألف راوٍ للحديث، مما عرفه على مسارات الرواية وطرقها و[[طبقات الرّواة]]، فكان يختار في صحيحه رجالًا من الطّبقة الأولى والثانية فقط عند كُل راوٍ. 2. جَعَل الكتاب جامعًا متنوّع المواضيع مع تفصيلات فيها؛ فيُعتبر أشمل كتب السّنة، ورُتبت أبوابه ترتيبًا مُحكمًا منطقيًا. 3. خصص الكتاب للحديث الصحيح المجرَّد (استجابة لطلب شيخه [[إسحاق بن راهويه]]). 4. اختار أحاديث كتابه الأربعة آلاف -غير المكررة- من بين ستمائة ألف حديث. 5. ذكَرَ الحديث الواحد بعدّة أسانيد. وتعدّد الأسانيد يُفيد في عدّة نواح، منها: أنه يقوّي السّند، أو يبيّن ما التبس من الأسماء والكِنى، أو يكشف عن [[السماع]] إن احتمل السّند السماع أو عدمه، أو يزيل شبهة في ضعف الرّاوي (فيبيّن أنه لم يعتمد رواية هذا الرّاوي وحده). 6. امتاز الكتاب بطريقة تنظيم الموضوع الواحد والتقديم لكل حديث أو باب بمقدّمة بديعة تشرحه (تسمّى الترجمة). 7. كانت ردوده فيه على الخصوم دون ذكر أسمائهم؛ لما في هذا من عفّة للسان، والرد على الفكرة بغض النّظر عن الزمان والأفكار. <div style="page-break-after: always;"></div> ## 3. [[صحيح مسلم]] - الجامع ### تعريف بالإمام [[مسلم]] (204 هـ - 261 هـ) هو أبو الحسين، مسلم بن الحجّاج بن مسلم بن ورد القشيري النيسابوري. وممن أخذ عنهم [[يحيى بن يحيى التميمي]] و[[القعنبي]] و[[البخاري]]. كما سَمِع بالعراق والحرمين ومصر. ### منهجية الإمام مسلم في صحيحه 1. للكتاب مقدّمة رائعة تُعدّ من أوائل المقدمات العلمية المنهجية في علم المقدّمات، وبيّن في المقدمة: 1. سبب تصنيف الكتاب. 2. عزمه على التأليف وطريقته فيه. 3. وجوب الرّواية عن الثّقات وترك الضعفاء والكذّابين. 4. ناقش صحّة الاحتجاج بالأحديث المروية بصيغة (عن) وبين منهجه في قبولها. 2. كان يسعى لتمييز الخطأ القليل النادر من أحاديث الثقات من صحيح حديثهم، ولتمييز الصواب القليل النادر من حديث الضعفاء من ضعيف حديثهم. 3. جمع الرّوايات بأبواب حديثيّة (الروايات ذات الموضوع الواحد في مكان واحد)، مما يُسهّل الوصول إلى الحديث المطلوب والحكم عليه، ويقوّي الحديث (لتأييد الروايات لبعضها). 4. أغلب رواياته هي نسخ خطية رواها عن شيوخه وعرضها عليهم، فكانت الألفاظ أدقّ. كما أظهر براعة في تسجيل الفوارق بين الأسانيد والمتون. 5. لم يتعامل مع المعلومة الحديثية منفصلة عن سياقها، وإنما يقدم القصة الحديثية عبر الأسانيد والمتون لتكتمل الصّورة. 6. لم يترجم لأبواب كتابه، واكتفى بعنوان الكتاب فقط (كقوله: كتاب الإيمان). 7. جمع في كتابه موضوعات عديدة (فقه، أحكام، زهد ، سِيَر، مغازي). 8. لم يستوعب كل الصحيح في كتابه بل ذكر بعض الصحيح وترك الكثير منه اختصارًا. 9. اختار رجال أسانيده من الطبقة الثانية والثالثة فصاعدًا. <div style="page-break-after: always;"></div> ## 4. [[سنن أبي داود]] ### تعريف ب[[أبو داود|أبي داود]] (202 هـ - 275 هـ) هو سليمان بن الأشعث بن عمرو الأزدي السجستاني. سمع من الكثير من العلماء في مكة والكوفة وحلب وحَرّان وحمص ودمشق وبغداد ومصر. وبدأ رحلته وهو دون العشرين من العمر. وكان في أعلى درجات النسك والعفاف والصلاح والورع، كما كان من حُفّاظ الإسلام الكبار. ### منهجيته في سُننه - خصصه لأحاديث الأحكام وتوسّع في جمعها وذكرها وتبويبها. - احتوى على أربعة آلاف وثمانمائة حديث متّصل وستمائة حديث مرسل، فكان أوّل كتاب يحوي هذا العدد من الأحاديث. - يُعدّ كتاب أصول للمسائل الفقهية: ففيه الأحاديث التي هي أصول مسائل كبار الفقهاء (ك[[الإمام مالك|مالك]] و[[سفيان الثوري]]، و[[الشافعي]]). - تَوسّع وأكثر من الأحاديث في الأحكام لفتح الباب لأحاديث كانت قد تُردّ لضعف رواتها، ولكنّه بجمعه لعدد كبير منها صارت تعضد بعضها بعضًا وصار يُمكن الاحتجاج بها. - كان ممن بدؤوا بتقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف: فما يدخل في الصّحيح والحسن يُحتجّ به للأحكام. - احتوى الكتاب على أحاديث ضعيفة شديدة الوهن، وهذه بينّها أبو داود. ولكنّ فيه ما كان غير شديد الوهن فلم يُبيّنه. وكذلك احتوى على الكثير من أحاديث مرسلة. - روى عن الطبقة الرابعة فصاعدًا من [[طبقات الرّواة]]. - امتاز بفن التفريع والتبويب والترجمة وسياقة الأحاديث في دقائق الأحكام. (مثال: كتاب الأدب قسمه ل180 باب). - ييسر الوقوف على الزيادات اللفظية في الروايات ويبين من التوافقات والفروقات بين الروايات. <div style="page-break-after: always;"></div> ## 5. [[سنن النسائي]] (المجتبى) ### تعريف بالإمام [[النسائي]] (215 هـ - 303 هـ) هو أبو عبد الرحمن، أحمد بن شُعيب النّسائي. وُلد في (نسا) بنواحي بلخ، وطلب العلم في صغره. وجال في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والشام والثغور ثم استوطن مصر، وتوفي في فلسطين. تحدّث الكثير من العلماء في عِظم علمه، ومما قيل فيه: قال [[الذهبي]]: لم يكن أحد في راس الثلاثمئة أحفظ من النسائي، وهو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم ومن أبي داود ومن أبي عيسى، وهو جارٍ في مضمار البخاري وأبي زُرعة. ### منهجيته في سننه - صنف كتابه [[السنن الكبرى]] ثمّ اجتبى منه (أو اجتبى غيره منه) كتاب "المجتبى من السُنن الكُبرى" وهو ما يُسمّى بسنن النَّسائي. - خصصه في أحاديث الأحكام وفرّع أبوابه بتفريعات فريدة لا توجد إلا عنده. - كرر في كتابه الحديث مرّات كثيرة بحيث تُوافق الرواية عنوان الباب، ويكرر النَّسائي الحديث كُله (وليس بعضه كما يفعل البخاري)، ولكنه لا يكرر الحديث بالإسناد نفسه. - ذكر الاختلاف بين الروايات، وذكر العلل والصحيح والأصح والضعيف والأضعف. وهذا يساعد طالب الحديث لما فيه من بيان لعلل الحديث والمنهجية المتبعة بتصحيحه أو تضعيفه (أما في الصحيحين فاكتُفي بذكر النتيجة النهائية لصحّة الحديث). - قسم شروط أحاديث كتابه إلى ثلاثة أقسام: 1. المخرج في الصحيحين. 2. الصحيح على شرطهما. 3. أحاديث لها علل، وبين هذه العلل. - بين حال الرواة الذين فيهم ضعف ويذكر رواياتهم للتعليل والمقارنة بغيرها مما هو أصوب منها. <div style="page-break-after: always;"></div> ## 6. [[جامع الترمذي]] ### تعريف بالإمام [[الترمذي]] (209 هـ - 279 هـ) هو أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سَوْرة السُّلمي الترمذي. تلقّى العلم في شبابه على شيوخ بلدته والقادمين إليها، وسمع في خراسان والعراق والحرمين. كُفّ بصره بعد ما كبر. ### منهجيته في الجامع - جمع فيه أبواب الحديث المختلفة. - تميز بوجود كتاب [[العلل الصغير]] في آخره؛ وهو أشبه بالمقدّمة الكاشفة عن منهجه. - لاحَظ أن بين الصحيح والضعيف رُتبة يتداخل فيها الصحيح والضعيف، وأصحابها يكونون ممن قلّ ضبطهم. فكان من الخطأ قبول حديثهم كُلّه وكذلك من الخطأ تركه كُلّه فوضعهم موضع العناية والدراسة: ![[Pasted image 20231030224127.png]] <div style="page-break-after: always;"></div> فسمّى الحديث الذي في أدنى درجات الاحتجاج: حسن، والحديث الذي في أعلى درجات الاحتجاج: حسن صحيح. ونظر إلى الحديث من الأدنى إلى الأعلى (بينما نظر البخاري ومسلم من الأعلى إلى الأدنى، ونظر مسلم من أدنى الصّحيح إلى أعلاه). ![[Pasted image 20231030224426.png]] > [!note] تعريف > أدنى نوع من الحديث الحسن عند الترمذي: هو كل حديث لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا من كان مغفلاً يخطئ الكثير، ولا يكون شاذًّا، وأن يُروى من غير وجه. - نظر للحديث من خلال الباب، وليس من خلال رواية واحدة فقط؛ فيأتي للموضوع الواحد ويجمع ما فيه من أحاديث مُتصلة ومنقطعة وأقوال الصحابة والتابعين وتميّز بذِكر مذاهب علماء الأمصار. - حسّن في الكتاب بعض الأحاديث التي لم يقبلها آخرون من العلماء. <div style="page-break-after: always;"></div> ## 7. [[سنن ابن ماجه]] ### تعريف ب[[ابن ماجه]] (209 هـ - 273 هـ) هو أبو عبد الله، محمد بن يزيد بن ماجه القزويني. كان حافظًا ناقدًا واسع العلم. ارتحل إلى العراقين ومكة والشام ومصر، ومات بقزوين. ### مكانة سننه قُدّمت سننه على الموطأ وأُلحقت بالكتب الخمسة لتعرف بعدها بالكتب الستّة؛ هذا لأن زوائد السُّنن على الكتب الخمسة كثيرة، بينما اشتملت الكتب الخمسة على أحاديث الموطأ. ### منهجيته في سننه - كان أقرب إلى الكتاب الجامع منه إلى السُنن؛ فقد احتوى على كتب عديدة من كتب الحديث وفرع الكتب إلى أبواب كثيرة. - بدأ كتابه بمقدمة فصّل فيها موضوعات الكتاب. - ترجم لأبواب كتابه بعناوين تجمع بين الدّقة والإيجاز والفقه. - إذا كرر حديثًا فإنما يكرره في الباب نفسه لبيان اختلاف السند أو المتن ولتقوية الأحاديث في الموضوع. - روى عن شيوخه بصيغة (حدثنا). - ركّز على الدرجات الدّنيا من الأسانيد التي يغلب عليها أنها تكتب ولا يُحتجّ بها، وتصلح للاعتبار والتعضيد؛ فصارت في الكتاب أحاديث عديدة منكرة.