# باب سير المؤمن إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء ## مقدمة في هذا الباب نصوص من النصوص الشرعية التي تؤسس للمؤمن حالة من التوازن في طريقه إلى الله بين عملين قلبيين أساسيين في حياة المؤمن وهما: الخوف والرجاء. فعلى المؤمن أن يكون على طول طريقه خائفًا وكذلك راجيًا. قال العلماء أنّ الخوف والرجاء هما جناحا المؤمن لا يستقيم المسير بأحدهما دون الآخر. فمن يضعف في قلبه جانب الخوف مع استحضار الرجاء يكون معرّضًا لخطر التهاون في الذّنوب والمعاصي، ومن يضعف في قلبه جانب الرجاء مع استحضار الخوف يفقد نعيمًا من نعيم الإيمان والشوق والمحبة لله تعالى. والخوف المقصود في هذا الباب ليس المقصود به خوف العصاة المذنبين، وإنّما المقصود هو خوف أشمل يشمل أهل الإيمان والصّلاح وكذلك أهل المعاصي. وحتّى الملائكة الذين لا يعصون الله قال فيهم الله تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ ...[[النحل-50|۝]]</span>﴾. وكذلك قال الله تعالى في أهل الجنّة: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيٓ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ[[الطور-26|۝]]</span>﴾. والرجاء هو دافع يدفع للعمل، فمن يخاف دون رجاء قد يقنط ويفقد روح العبادة والإيمان. والخوف والرجاء هما الدافعان الأساسيان للعمل حتّى الدنيوي، فمن يعمل أي عمل فإنّه إمّا أن يعمله خوفًا من عاقبة أو رجاء نتيجة لعمله. فمن يعمل أعماله كلها بدافع الخوف فقط يشعر بالضيق والتوتر، ومن يعمل برجاء دون خوف قد يتهاون ويتكاسل عن العمل. ومن يجمع بينهما يعمل تارة خوفًا من التقصير، وتارةً بانفراج وارتياح وإقبال راجيًا رحمة الله وجنّته ورحمته، وكذا ينبغي أن يكون حال المؤمن العامل للآخرة. ## الآيات ### 1. قال تعالى: ﴿<span style="font-family: 'KFGQPC HAFS Uthmanic Script'">۞نَبِّئْ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[[الحجر-49|۝]]وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ[[الحجر-50|۝]]</span>﴾ - في هذا الموضع ذكر للخوف والرجاء في موضع واحد وبشكل مباشر. <div style="page-break-after: always;"></div> ## الأحاديث ### 1. عن [[عبد الله بن مسعود]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span> قال: حَدَّثَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: (إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ، حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ) - الحديث يشير إلى الخوف والرجاء معًا. - يبيّن الحديث أنّ دخول الجنّة والنّار لا يكونان إلا بعمل. - على الإنسان ألّا ييأس إن ابتُلي بذنوب وتراكمت عليه المعاصي، وإنّما يسعى ويحاول تركها وإصلاح نفسه لعلّ الله يكتب له الهداية. وكذلك على المؤمن ألّا ييأس من غيره ممن يقع في الذّنوب والمعاصي أو يتهاون بالطّاعات، فلعلّ الله تعالى يكتب له الهداية في مرحلة من طريقه. - بنفس الوقت على الإنسان ألّا يأمن ويطمئنّ إن كان بحال من الطّاعة والعلم والإيمان، فليس في هذا ضمان لما سيكون عليه حاله قبل الموت. - كان الصّالحون يخافون لحظة الختام ويقلقون تجاهها، وبنفس الوقت كانوا يؤمّلون برحمة الله. - داء الغفلة هو من أصعب مصائب العصر الحالي، فمن يقع في الغفلة ينسى لحظة مغادرة الدّنيا وما يجب إعداده لها. وينبغي التنبّه لأنّ زماننا يدفع الإنسان للغفلة من كُلّ جانب. ### 2. عن [[أبو هريرة|أبي هريرة]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span> أنّ رسول الله ﷺ‎ قال: (لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ، ما طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، ولو يَعْلَمُ الكَافِرُ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، ما قَنَطَ مِن جَنَّتِهِ أَحَدٌ) ### 3. عن [[عبد الله بن مسعود]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span> قال: قال النبي ﷺ‎: (الجَنَّةُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِن شِراكِ نَعْلِهِ، والنَّارُ مِثْلُ ذلكَ) - في هذا الحديث إشارة إلى أن دخول الجنّة أو النّار قد يكون بما لا يبالي به المرء. - لا ينبغي الاستهانة بالعمل الصالح وإن صغرت قيمته بعين فاعله: - قال ﷺ‎: (لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعروفِ شيئًا، ولو **أنْ تَلْقَى أخاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ**). - قال [[جرير بن عبد الله]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span>: ما حَجَبَنِي النبيُّ ﷺ‎ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولَا رَآنِي إلَّا **تَبَسَّمَ في وجْهِي**. - قال ﷺ‎: (يا نِساءَ المُسْلِماتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها، ولو **فِرْسِنَ شاةٍ**)، فرسن شاة: أي أن تقدم لجارتها مما طبخت من اللحم. - قال ﷺ‎: (بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها **فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها** بهِ). - قد يعتاد الإنسان على الأعمال لتكرارها فتقلّ قيمتها في عينه لسهولة الإتيان بها فقد لا يستحضر ولا يحتسب الأجر الذي تجلبه عليه. <div style="page-break-after: always;"></div> - بالمقابل لا ينبغي أن يستهين الإنسان بالمحرمات ولو كانت بسيطة: - قال ﷺ‎: (إيَّاكم ومُحقِّراتِ الذُّنوبِ) - قال [[أنس]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span>: إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمالًا، هي أدَقُّ في أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إنْ كُنَّا لَنَعُدُّها علَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ‎ مِنَ المُوبِقاتِ. ### 4. عن [[أنس]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span> قال: خَطَبَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ‎ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ؛ قالَ: (لو تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)، قالَ: فَغَطَّى أصْحَابُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ‎ وُجُوهَهُمْ، لهمْ خَنِينٌ - رأى النبي ﷺ‎ الجنّة والنّار في أكثر من موضع، ويعلم عنهما ما لا يعلمه بقية البشر؛ وهذا العلم يدعو الإنسان ليكون جادًّا في حياته وفي تطلّبه لرضى الله تعالى، ويظهر هذا عليه ﷺ‎ بالخوف والخشية وقلة الضحك. - يقول النبي ﷺ‎ (لو تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ) ولكنّنا لن نصل لهذا العلم، وبالتالي لن نصل للمستوى الذي وصفه النبي ﷺ‎ من أحوال من يعلم هذا العلم. ### 5. عن [[أبي ذر]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span> قال: قال رسول الله ﷺ‎: يقولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (مَن جَاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَن جَاءَ بالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعًا، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ منه بَاعًا، وَمَن أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَن لَقِيَنِي بقُرَابِ الأرْضِ خَطِيئَةً لا يُشْرِكُ بي شيئًا، لَقِيتُهُ بمِثْلِهَا مَغْفِرَةً) - في هذا الحديث الكثير مما يدفع الإنسان للطمع بما عند الله وبرحمته ومغفرته. - القرب من الله تعالى هو أشرف وأعلى ما ينبغي أن يطمع به المؤمن وأن يبذل لأجله. - على الإنسان التقرّب بقدر ما يستطيع من الله تعالى، ثم فليُبشِر بجزاء الله تعالى له. ### 6. عن [[عبد الله بن مسعود]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span> قال: قال رسول الله ﷺ‎: (مَن مَاتَ يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ). وقُلتُ أنَا: مَن مَاتَ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ - في قوله ﷺ‎ (يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا) يعني أيّ شيء مهما كبرت أو صغرت قيمته، فهذا بحسب قول النبي ﷺ‎ يؤدي بصاحبه إلى النّار والعياذ بالله، حتّى وإن كان له عمل صالح. - من أهم ما يستفاد من هذا الحديث (ومن آخر الحديث السابق): أهميّة تحقيق التوحيد والبعد عن الشرك. - [[أعمال القلوب]] هي من أهم ما يدخل في التوحيد: كالإنابة، والإخلاص، والمحبّة، والتوكّل، والاعتصام. وبقدر تحقيق هذه الأعمال يبتعد الإنسان عن الشرك، وبقدر التفريط بها يقترب منه. <div style="page-break-after: always;"></div> ### 7. عن [[أبو هريرة|أبي هريرة]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span> قال: قال رسول الله ﷺ‎: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ) - من أهم فوائد الحديث: عدم القنوط من الذّنب، وعدم الامتناع عن الاستغفار والتوبة مهما بلغت الذنوب. - الله تعالى يحبّ من النّاس من تنكسر قلوبهم بعد الذّنب. - طبيعة النقص النفس البشرية تدفعها للوقوع في الذنوب في مسيرتها في الحياة، لكنّ الله تعالى يحب المستغفرين. - بعض الذنوب تكون بعدم الإتيان بالواجبات، وبعضها بالقيام بالمحرّمات. - حالة الانكسار والتوبة والذلّ قد لا تأتي الإنسان إلا بعد وقوعه في الذنوب، وهي من أعظم صور العبودية لله تعالى، وهي من الخير الذي يترتب على الشر. ### 8. عن [[جابر بن عبدالله]] <span style="font-family: 'KFGQPC Arabic Symbols 01'; ">I</span> قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ‎، قَبْلَ مَوْتِهِ بثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يقولُ: (لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهو يُحْسِنُ الظَّنَّ باللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) - يستند بعض العلماء على هذا الحديث للقول بتغليب جانب الرجاء على جانب الخوف في بعض الأحوال، وأنّ من [[الفقه في الدين]] أن يُذكَّر من اقتربت وفاته بجانب الرجاء أكثر من تذكيره بالخوف، وإن كانت لديه ذنوب. - عندما حضرت [[سفيان الثوري]] الوفاة كان يقول لأحد العلماء الذين حضروا وقت وفاته: أترى يغفر الله لمثلي؟ فحدّثه العالم بأحاديث الرجاء. وهذا تطبيق عملي لما في هذا الحديث. - ليس المقصود من الحديث أن يحسن الإنسان الظنّ بالله تعالى عند حضرو الموت فقط، بل عليه إحسان الظنّ بالله في كُلّ أحواله، لأنّ الإنسان لا يدري موعد وفاته. - حُسن الظنّ بالله تعالى لا يتنافى مع الخوف.